خديعة ترامب وتعثر الانتقال إلى الانسحاب وإعادة الإعمار
2026-02-20 / 11:30
سليمان أبو ارشيد:
مضى ما يقارب أربعة أشهر على الإعلان عن "خطة ترامب لوقف الحرب في غزة"، والتي بلورتها إسرائيل مباشرة ومن خلال أصابعها النافذة في الإدارة الأميركية، وحظيت رغمًا عن ذلك بمباركة الدول العربية والإسلامية الوازنة، التي وضعت ثقلها بالضغط على حركة المقاومة الإسلامية – حماس لقبولها، رغم أنها مكنت إسرائيل من استعادة المحتجزين في غزة دون أن يشترط ذلك بانسحاب الجيش الإسرائيلي من أراضي القطاع التي يحتلها، والتي تقدر اليوم بما يقارب 60% من مساحة القطاع، ودون أن يلزمها بضمان عودة سكان المناطق الواقعة تحت سيطرتها إلى بيوتهم التي هُجّروا منها حتى لو كانت مهدمة.
الأنكى من ذلك أن الاتفاق لا يتعامل مع خروقات القوات الإسرائيلية المرابطة في قلب قطاع غزة، التي ما زالت تنفذ عمليات القصف والقتل اليومي و"تنظيف" المناطق الواقعة تحت سيطرتها عن طريق تفخيخ وتفجير ما تبقى فيها من بيوت ومبان، استعدادًا للمرحلة الثانية التي تتمثل، وفقًا لوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموترتش، في تجديد الاستيطان في الأراضي التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة، وليس الانسحاب وعودة أهاليها إلى بيوتهم كما ينص عليه الاتفاق.
في هذا السياق يقول محرر صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية ألوف بن إن خطة ترامب لم تضع جدولًا زمنيًا أو خارطة طريق لانسحاب إسرائيل، باستثناء طموح عام بأن "لا تشكل غزة تهديدًا لإسرائيل، مصر وسكانها مجددًا"، مشيرًا إلى أن الصياغة الفضفاضة تلك لا تلزم إسرائيل بأي شيء، على الأقل حتى تغير الظروف وتحول غزة إلى نسق فنلندا أو أندورا، وهو يفترض، والحال كذلك، أن لا تترك إسرائيل المساحة الكبيرة من الأرض فارغة إلى أن تتحول حماس إلى غير مسلحة وودودة، بل ستستغلها لسحب وتعزيز مشروعها الاستيطاني "المزدهر" في الضفة الغربية رغم المعارضة الدولية ووجود ملايين الفلسطينيين، وسحبه على المساحة التي تحتلها من قطاع غزة، خاصة بعد أن قامت بتهيئة الأرضية عبر طرد السكان وهدم بيوتهم ومدنهم.
وحول إيفاد وزير الخارجية غدعون ساعر إلى واشنطن للمشاركة في اجتماع "مجلس السلام" يقول الكاتب الإسرائيلي إن الهدف هو كسب المزيد من الوقت بواسطة محادثات عبثية ورفع سقف المطالب الإسرائيلية المرتبطة بنزع سلاح "حماس" وتبديد الشكوك المتعلقة بنية إسرائيل البقاء في غزة، وأن إسرائيل ستنتظر إلى أن يفقد موضوع غزة الأهمية لدى ترامب بعد احتلال قضايا أخرى جدول اهتماماته أو أن يتعب منه، وذلك لكي تفرض حقائق على الأرض وتجدد الاستيطان مثلما تفعل ذلك منذ 59 عامًا.
من جهتنا لا نشك بأن خطة ترامب المتعلقة بوقف الحرب في قطاع غزة هي أكبر خديعة وقع فيها الفلسطينيون منذ ثورة 1936، عندما أوقفوا الإضراب والثورة نزولًا عند طلب الزعماء العرب المسوغ بوعود كاذبة من "صديقتهم بريطانيا"، حيث أسفرت هذه الوعود لاحقًا عن لجنة "بيل" التي أوصت أمام الحكومة البريطانية عام 1937 بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية. هذا ناهيك عن خديعة أوسلو التي شرعنت السيطرة الإسرائيلية على 60% من مساحة الضفة الغربية بعد أن جزأتها إلى مناطق مصطنعة، وهو ما حوّل، بتعبير الصحفية الإسرائيلية عميرة هس، مناطق "أ" و"ب" إلى جزر في محيط المنطقة "ج" الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.
وإن كانت إسرائيل ومستشاروها قد ملأوا اتفاق أوسلو بالمطبات التي حالت دون الانتقال إلى المرحلة الثانية المتعلقة بالقضايا الأساسية، القدس والعودة والدولة، وأبدت مرحلته الأولى التي أنعشت الاستيطان وحولت المدن الفلسطينية إلى "بانتستونات" معزولة عن بعضها البعض، فإن الصهاينة اليهود كوشنير وويتكوف وديرمر قد ملأوا اتفاق إنهاء الحرب الأخير بالعقبات التي تحول دون الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن انسحابًا إسرائيليًا وإعادة إعمار غزة، وتأبيد المرحلة الأولى التي تديم الاحتلال الإسرائيلي لـ60% من أراضي غزة وتبقيها متحكمة بمصير 100% من سكانها الفلسطينيين.
(عرب 48)