في ذكراه الثامنة والثلاثين.. ناجي العلي والطفل الذي لم يكبر
2025-08-28 / 16:49
نافذة-في ظهيرةٍ صيفية من آب عام 1987، كان شارع «آيفز» في لندن هادئاً. السيارات تمر ببطء، والمارة مستغرقون في تفاصيلهم الصغيرة. لم يكن أحد يعلم أن هناك رجلاً يسير على الرصيف، يحمل في حقيبته أوراقاً بيضاء وريشة، وأن هذه الحقيبة أخطر من قنبلة، وأثقل من جيوش.
ناجي العلي، ابن قرية الشجرة، لاجئ المخيمات، رسام الحقيقة التي لم يتجرأ عليها أحد، كان يمشي تلك الخطوات الأخيرة. خلفه ظلّ صغير، حافٍ، بملابس رثّة، يضع يديه خلف ظهره، ويدير للعالم ظهره. لم يره الناس، لكن ناجي كان يعرف أن حنظلة لا يفارقه أبداً.
كان ناجي متعباً. ليله مزدحم بالكوابيس ألاسلاك الشائكة، وجنود الاحتلال ومخيمات تُحاصرها الأسئلة. كلما حاول أن ينام، أفاق على وجه أمّ تبكي، أو طفل يلوّح بحجر، أو زعيم يبيع الوهم في قاعة مفاوضات. كان يعرف أن ريشته لا تُعجب أحداً، لا الاحتلال الذي يفضحه، ولا الملوك الذين يعرّيهم، ولا حتى بعض الرفاق الذين ضاقت صدورهم بنقده. ومع ذلك، كان يبتسم ابتسامةً حزينة ويقول "قد أخسر الدنيا كلها، لكن لا أخسر فلسطين."
وحين توقّف أمام مقرّ صحيفة "القبس" في لندن، حيث كان يعمل رساماً يومياً، دوّى صوت مكتوم. رصاصة غادرة اخترقت رأسه، فسقطت الأوراق من حقيبته، تناثرت على الإسفلت كأسراب حمام مذعورة. المارة تجمهروا، سيارات الشرطة هرعت، والمدينة التي لا تنام توقفت للحظة. لكن ناجي لم ير شيئاً. كان يرى فقط طفلاً صغيراً يركض نحوه، يمد يديه، يرفعه من الأرض، ويهمس "لا تخف يا ناجي … لا تخف يا حنظلة سنواصل الطريق."
ظلّ ناجي في غيبوبة أسابيع، بين الحياة والموت، حتى استشهد. لكن قصته لم تنتهِ عند سرير المستشفى. بالعكس، بدأت هناك. صار حنظلة أكبر من رسمة بل صار توقيعاً على كل جدار، وشاهداً في كل مخيم، وذاكرة لا تُمحى.
بعد ثمانية وثلاثين عاماً، ما زال مشهد فلسطين المحاصرة يتكرر ، وما زالت المخيمات تنتظر، والزعماء يتفاوضون، والجماهير تهتف. لكن بين كل ذلك، يطلّ وجه حنظلة من زاوية جدار مهدّم أو صفحة جريدة قديمة، يذكّرنا أن هناك رجلاً في لندن دفع حياته ثمناً لصدقٍ لم يحتمله العالم.
قصة ناجي العلي ليست سيرة فنان قُتل فحسب. إنها حكاية بلدٌ أُطلق عليه الرصاص، فسقط جسداً لكنه بقي روحاً حيّة في كل خط أسود رسمه وصار طريقاً يقود إلى القدس. وكل لوحة كانت وصيةً مؤجلة لجيل لم يولد بعد.
وفي النهاية، لم يكن ناجي العلي ضحية اغتيال. كان شهيد ريشة، رسم دمه آخر كاريكاتير، وترك لنا وصيّة لا تموت بأن نواصل الرسم، والحلم، وأن نبقى أطفالاً لا يكبرون حتى تعود فلسطين.