تذكُّر الهولوكوست: حين تتحوّل الذاكرة إلى سلاح
2026-01-28 / 15:43
عوض عبد الفتاح:
ليس العجز اليوم في فهم ما يجري، بل في تحمّل نتائجه الأخلاقية؛ فالمفارقة لم تعد خفيّة، ولا التناقضات بحاجة إلى جهد نظري لاكتشافها. الغرب الذي تعهّد، بعد الحرب العالمية الثانية، بأن لا يتكرّر ذلك أبدًا، يقف اليوم شاهد زور، بل شريكًا فعليًا، في إبادة تُرتكب على الهواء مباشرة في غزة. كل ما قيل عن القطيعة مع الفاشية، وعن الدروس المستفادة من الهولوكوست، يتهاوى أمام مشهد الإبادة، وأمام صور الأطفال المحروقين تحت الأنقاض. الوجه الآخر للحداثة، وجهها الأسود، يتبدّى مرة أخرى، هذه المرّة بصورة أكثر بشاعة وفجاجة.
ما بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن لحظة تحرّر أخلاقي، بل لحظة إعادة تنظيم للهيمنة. لم يُحاسَب الاستعمار، بل أُعيد تدويره. لم يُفكَّك منطق التفوّق العرقي، بل جرى تهذيبه لغويًا وتغليفه بخطاب حقوقي زائف. ومنذ ذلك الحين، لم يُصغِ الغرب إلا لصوته، ولم يعترف إلا بضحاياه. أما ملايين الضحايا خارج أوروبا، فبقوا هامشًا في الذاكرة، وتفصيلًا غير ضروري في السردية الأخلاقية الغربية.
في هذا السياق، ليست نكبة فلسطين حادثًا طارئًا، بل نتيجة منطقية لمسار تاريخي واضح. فقد تضافرت ثلاث جرائم كبرى لتأسيس المأساة المستمرة حتى اليوم: إبادة يهود أوروبا على يد النازية، عجز أوروبا عن مواجهة جريمتها بتحمّل مسؤولية سياسية وأخلاقية تجاه الناجين، ثم تصدير الجريمة إلى فلسطين عبر إقامة كيان استعماري إحلالي على أنقاض شعب آخر. لم يكن ذلك "حلًا" لمأساة اليهود، بل نقلًا لها، وتحويل الفلسطينيين إلى ضحايا بدلاء.
السؤال الجوهري، الذي يُراد له أن يبقى محرّمًا، هو: كيف تحوّلت ذاكرة الإبادة إلى أداة لتبرير إبادة جديدة؟ كيف أُعيد تعريف الدفاع عن النفس ليشمل تدمير المدن، وتجويع السكان، ومحو التاريخ؟ وكيف جرى تحميل الفلسطينيين، أخلاقيًا وسياسيًا، مسؤولية جريمة لم يشاركوا فيها، ولم تقع على أرضهم، ولم تُرتكب باسمهم؟
لقد استُخدمت اللاسامية الأوروبية، والمظلومية اليهودية الحقيقية، كرافعة سياسية وأيديولوجية، لا لتكريم الضحايا، بل لتجريد شعب كامل من إنسانيته. لم تعد ذكرى الهولوكوست مناسبة للتأمل النقدي، بل طقسًا أيديولوجيًا يُعاد إنتاجه بلا توقف، لتبرير التفوّق، والاستثناء، والعنف غير المحدود. هكذا تحوّلت الذاكرة من أداة تحذير أخلاقي إلى رخصة قتل مفتوحة.
في إسرائيل، جرى بناء منظومة تربوية وثقافية كاملة على هذا الأساس: "العالم ضدنا"، الفلسطيني خطر وجودي، والعنف ضرورة أخلاقية. دراسات نقدية إسرائيلية كشفت كيف تُغذّى الأجيال بسردية ترى في الفلسطيني كائنًا خارج التاريخ والحقوق، بما يجعل الإبادة فعلًا دفاعيًا، والاحتلال أمرًا طبيعيًا. ليست هذه انحرافات فردية، بل بنية فكرية متكاملة، ستحتاج الشعوب إلى سنوات طويلة من النضال لتفكيكها واستبدالها برؤية إنسانية تحرّرية.
في كانون الثاني من كل عام، تُستعرض ذكرى الهولوكوست في احتفالات رسمية عالمية، تُقدَّم وكأنها المأساة المركزية الوحيدة في تاريخ البشرية. لا مكان فيها لإبادة السكّان الأصليين في الأمريكيتين، ولا لاستعباد ونهب أفريقيا، ولا لسجل طويل من المجازر الاستعمارية. الذاكرة هنا انتقائية، مُسيّسة، ومُسيَّجة بسياج أخلاقي يمنع مقارنتها بأي جريمة أخرى.
المفارقة الفجّة أن من يرفع شعار "التعلّم من التاريخ" هو ذاته من يبرّر اليوم تدمير غزة. من يتباكى على ضحايا الأمس يموّل، ويسلّح، ويدافع سياسيًا عن جلادي اليوم. غزة تتحوّل إلى مختبر: اختبار لمدى قابلية النظام العالمي لتطبيع الإبادة حين يكون الضحية فلسطينيًا، وحين يكون القاتل "حليفًا ديمقراطيًا".
لم تعد غزة مجرد مأساة إنسانية، بل لحظة انكشاف تاريخي. الأطفال ليسوا أضرارًا جانبية، والمجازر ليست أخطاء عملياتية. نحن أمام مشروع محو شامل: محو الجسد، والذاكرة، والمعنى. حتى فلسطين نفسها يُراد لها أن تختفي لغويًا وسياسيًا، عبر خطط تتجاهل وجود شعب كامل، وتسعى إلى اختزال القضية في إدارة معونات وبؤس دائم. نحن أمام مرحلة من الكولونيالية أكثر فجاجة، وأشد قبحًا ودموية، وبلا ضوابط أو كوابح. ومن يقف اليوم على رأس هرم الإمبراطورية الأميركية المتوحّشة ليس حالة شاذة معزولة، بل نتاج مباشر لبنية رأسمالية توسّعية مفترسة ومنفلتة.
ومع ذلك، فإن الرواية الفلسطينية، ومعها حقيقة المشروع الصهيوني، تخترق اليوم جدران الصمت الغربي. ملايين البشر، خاصة من الأجيال الشابة، باتوا يرون ما حاولت المؤسسات إخفاءه لعقود. لكن الوعي وحده لا يكفي. فالذاكرة، إن لم تُنظَّم وتُؤسَّس، تبقى قابلة للاحتواء والتشويه. بعد كل ما جرى ويجري في غزة، وفي فلسطين والعالم، تبلورت نتيجتان متناقضتان: كارثة إنسانية وسياسية غير مسبوقة، واتساع جبهة شعبية عالمية مناهضة للحرب والاستعمار. في هذا السياق، تبدو المقاومة المدنية الشكل الأبرز، إن لم يكن الوحيد، للنضال في العقد القادم، خاصة على الصعيد العالمي.
من هنا، تصبح معركة الذاكرة جزءًا لا يتجزأ من معركة التحرّر. توثيق إبادة غزة، ومأسسة السردية الفلسطينية، كما في مبادرات إقامة متحف للإبادة، ليس عملًا رمزيًا، بل فعل مقاومة سياسي وأخلاقي. فالذاكرة، حين تُنتزع من يد الجلاد، تتحوّل إلى أداة مساءلة لا إلى طقس تبريري. وهذا يفرض الحاجة إلى إطار وطني واسع داخل فلسطين وخارجها، يتصدّر مهمة التجميع، وبلورة رؤية سياسية ووطنية تحرّرية، قادرة على تحويل الغضب الأخلاقي العالمي إلى قوة تغيير فعلية.
(عرب 48)