كيف تحولت سخنين وأم الفحم... من قلاع وطنية إلى "أوكار للإجرام"

2026-01-22 / 16:44

Post image

 

سليمان أبو ارشيد:

عندما تتحول قرى ومدن، على غرار سخنين والناصرة وأم الفحم، كانت تعتبر حتى الأمس القريب قلاعًا وطنية، لا تهزها رياح ولا تخترقها سيول، إلى أوكار للجريمة وميادين للقتل و"الخاوة" والعنف اليومي، فإن ذلك ليس بمثابة ضوء أحمر وجرس إنذار لما وصلت إليه الأمور في مجتمعنا الفلسطيني في الداخل فقط، بل هو دعوة أيضًا إلى إيقاظ الذات الوطنية ومراجعة تعبيراتها السياسية المؤلفة لقيادة هذا المجتمع، الذي شكّل وما زال تجمعًا فلسطينيًا فريدًا اجتاز النكبة والحكم العسكري وملحقات سياساته العنصرية والفاشية المتتالية.

وبغض النظر عن السياسات والمخططات السلطوية التي تستهدف مجتمعنا، وهي سياسات سابقة على بن غفير ونتنياهو وحكومة اليمين الديني الاستيطاني الفاشي، وإن تعاظمت في عهدها، فإن ذلك لا يعفينا من مسؤوليتنا كمجتمع وقيادة سياسية تقع على عاتقها مسؤولية مواجهة هذه السياسات والمخططات وإحباط أهدافها وتقليص أضرارها على مجتمعنا. هكذا تم التعامل مع مخططات التهويد ومصادرة الأراضي وهدم البيوت، والتعاطي مع سياسات الأسرلة وطمس الهوية الوطنية، وهكذا يُفترض أن يتم التعامل مع مؤامرة تشجيع الجريمة المنظمة كوسيلة لتفكيك مجتمعنا وتفتيت نسيجه الوطني.

ومعلوم أن مجتمعًا يعاني الفقر والبؤس جراء سياسات التمييز والتهميش والإقصاء، حتى ولو تغطت بقشرة رقيقة من مظاهر البذخ والترف الكاذبة التي تزيد الطين بلة، مجتمع يقع أكثر من 50% منه تحت خط الفقر و30% من جيل الشباب بين 18-24 لا يعملون ولا يتعلمون، بينما تمتص مراكز الاقتصاد الكائنة في المدن الإسرائيلية من مستشفيات ومجمعات هايتك وغيرها من أماكن التشغيل نخبه المتعلمة والمثقفة، التي يهجر قسم كبير منها قراه ومدنه نهائيًا ليسكن قريبًا من مكان عمله، خاصة في ضوء أزمة السكن الخانقة التي تعاني منها هذه البلدات.

وبدون شك فإن مجتمعًا بهذه المواصفات هو تربة خصبة لإنتاج مظاهر العنف والجريمة والمخدرات وغيرها من الآفات المصاحبة للبطالة والفقر والتجهيل والاكتظاظ السكني، خاصة إذا كانت الآليات التي أفرزها النظام الرأسمالي للتخفيف من وطأة هذه المظاهر، مثل الجهات الاجتماعية والتربوية ووسائل الضبط والمراقبة وحتى وسائط إنفاذ القانون من شرطة ومحاكم وغيرها، إذا كانت هذه الآليات معطلة أو شريكة فعلية في المؤامرة على مجتمعنا.

السؤال الذي يجب أن يُسأل في ضوء هذا الوضع هو ليس العمل والنضال من أجل التخفيف من مسببات العنف والجريمة التي ذكرناها سابقًا، والمرتبطة جميعها بوضعنا المتفاقم في هذه الدولة ومعها فقط، بل في كيفية تحويل آليات هذا النضال السياسي وأدواته إلى وسائل حشد وتجنيد لطاقات وقدرات هذا المجتمع وزج هذه الخامات البشرية، وبالذات الأكثر تضررًا من هذه السياسة، في معركة الدفاع عن حقوقها وحقوق شعبنا عوضًا عن توجيهها ضده.

والمقصود بهذا العمل والنضال أو المطلوب أن لا يقتصر على النضال ضد الجريمة فقط، بل أن يشمل جميع قضايانا ومطالبنا السياسية والاجتماعية، التي تشكل أهم منابعها، وهنا نعود إلى ما بدأنا به مقالنا، حول أسباب تحول قرانا ومدننا من قلاع وطنية وميادين مواجهة إلى مسرح للجريمة والعنف، لنتساءل: أين ذهبت الكوادر الحزبية والوطنية التي كانت تملأ الشوارع والساحات؟ ولماذا أغلقت النوادي الحزبية والثقافية أبوابها؟ ولماذا تبخرت حركات الشبيبة الشيوعية وغير الشيوعية؟ وكيف صارت الجوامع خالية من الشباب الذين ملأوها في فترة النهضة الإسلامية؟ لماذا ترك كل هؤلاء الساحة لـ"الطخيخة" والعصابات المجرمة التي ما كانت لتجد لها مكانًا بوجودهم؟

ثم كيف تحولت حركاتنا وأحزابنا السياسية إلى حركات نخبوية، ولا أقول كنيستية لأنها هي ذاتها من كان كوادرها يملأون الشوارع وكانت نواديها مشرعة الأبواب وشبيبتها تتزين أو لا تتزين بالربطات، ولماذا هجرت هذه الأحزاب والحركات العمل المحلي وترفعت عنه وتركت المجالس والبلديات أو قايضتها مع العائلات بانتخابات الكنيست، لتسيطر عليها لاحقًا عصابات الإجرام؟

القضية الأخرى الحاسمة في هذا الباب أيضًا ترتبط بهجر النخب من أطباء ورجال هايتك ومهندسين لقرانا ومدننا، سعيًا وراء أماكن العمل في مستشفيات وكليات وجامعات ومراكز هايتك الكائنة في المدن الإسرائيلية، الأمر الذي يفسر الدالة العكسية التي تشير إلى أنه كلما ازدادت نسبة المتعلمين والأكاديميين ازدادت نسبة الإجرام، لأن "خيرنا يذهب إلى غيرنا" كما يقولون، وعوضًا عن أن تعود هذه البركة على مجتمعنا فإنها تساهم في إفقاره من القوى البشرية ذات الكفاءة لتبقى قرانا ومدننا خاوية، وذلك بعكس النهضة التعليمية التي كانت في السبعينيات والثمانينيات والتي أنتجت الطبقة الوسطى وقادت إلى تطور نوعي في مجتمعنا.

هنا يجب أن نتساءل: لماذا تبخرت مقولات وتنظيرات "الحكم الذاتي" و"البناء الذاتي" ومبادرات مثل "بناء جامعة عربية" و"صندوق مرضى عربي" و"مستشفى عربي" و"مفعال هبايس عربي"، التي راجت في الثمانينيات والتسعينيات، بالذات في الوقت الذي أصبح تطبيق مثل هذه الأفكار وتحويلها إلى مشاريع عملية أقرب إلى الواقع؟ ولا شك أن مشاريع كهذه من شأنها النهوض بقرانا ومدننا ومجتمعنا عامة، وتهميش الفئات والأعشاب الضارة فيه، وهي كفيلة إلى جانب عودة الأحزاب وكوادرها الوطنية إلى الشارع باستعادة سخنين والناصرة وأم الفحم لمكانتها كقلاع ومنارات وطنية.

(عرب 48)