العربدة الأميركية والتوجيه الإسرائيلي لضرب إيران مجددًا

2026-01-15 / 21:36

Post image

 

سليمان أبو ارشيد:

العربدة الأميركية التي تقودها إدارة ترامب في العالم، والتي خرجت من القوة إلى الفعل بضرب المواقع النووية الإيرانية، ثم بالعدوان العسكري الفظ على فنزويلا واختطاف رئيسها المنتخب، تبدو امتدادًا ومحاكاة للعربدة الإسرائيلية المدعومة أميركيًا في المنطقة، والتي بدأت مع حرب الإبادة المستمرة ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وتتواصل باحتلال الأراضي وانتهاك السيادة اللبنانية والسورية وتهديد الأمن الإقليمي في المنطقة.

وإن كانت إسرائيل عضوًا في نفس المدرسة الاستعمارية التي تقودها أميركا وذراعها الضارب في المنطقة، فإن خروجها عن القانون ودأبها منذ أن قامت على أنقاض الشعب الفلسطيني عام 48، على كسر كل القواعد والشرائع الدولية والتصرف ببلطجة ضد شعوب المنطقة ودولها العربية، فإن هذا الخروج لم يلق في الماضي مثل هذا الدعم السافر والمكشوف وغير المحدود من إدارات أميركية سابقة، حاولت الحفاظ على ماء وجه القانون والنظام الدولي الذي يسيدها على العالم.

فقد سعت تلك الإدارات الأميركية، حتى إدارة بايدن بتحفظ، وإن شكليًا، إلى ضبط سلوك إسرائيل ولجم أطماعها غير المحدودة في الأرض الفلسطينية وتجاه دول المنطقة، في محاولة للإبقاء على وضعيتها كوسيط "نزيه" في الصراعات بينها وبين الدول العربية، وهو دور سياسي لا يقل أهمية عن استعمال القوة العسكرية، وظفته أميركا بنجاح في خدمة مصالحها الاستعمارية في المنطقة والتي تشكل إسرائيل أحد أساساتها الهامة، وقد تجلى ذلك، على سبيل المثال، في رعاية اتفاقيات كامب ديفيد المشؤومة، التي أخرجت أكبر دولة عربية من دائرة الصراع مع إسرائيل، واتفاقيات أوسلو السيئة التي أنهت حركة التحرر الوطني الفلسطيني دون تحقيق أي من أهدافها بالعودة والدولة وتقرير المصير.

كما حاولت هذه الإدارات الأميركية تسيير العالم والتعامل مع قضاياه قدر الإمكان باستعمال القوة الناعمة، التي تتشكل من النفوذ الاقتصادي والامتداد السياسي والردع العسكري، وحتى عندما خرجت بعض هذه الإدارات إلى حروب مدمرة في العراق وأفغانستان فإنها كانت تمتلك من الحجج والمسوغات "الدامغة" في حينه، رغم أن بعضها قد اتضح أنها كاذبة لاحقًا، مثل امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، كما سعت للحصول على شرعية مجلس الأمن الدولي والكونغرس.

ما أردنا قوله إن العلاقة الجدلية من التأثير والتأثر على قاعدة المشتركات الأيديولوجية والمصالح الاستعمارية بين أميركا وإسرائيل، أصبحت في عهد ترامب تميل لصالح تعمق تأثير الأخيرة على السياسات الأميركية، ليس فقط بواسطة أذرع اللوبي اليهودي والمسيحية الصهيونية والإنجيلية النافذة في أميركا، والذي يبدو واضحًا من خلال طاقم الوزراء والمستشارين المحيطين بترامب ويسيرون سياسته، بل من خلال تأثر الأخير وإعجابه بالفعل والأداء العسكري الإسرائيلي والمنجزات السريعة التي يحققها دون اللجوء إلى الصبر وطول الانتظار الذي تحصده الوسائل السياسية. وقد بدأ هذا التقليد والاستتباع عندما جرى إقناع ترامب بتتويج الحرب الإسرائيلية على إيران بتوجيه ضربة أميركية للمفاعلات النووية الإيرانية، وانبهار الأخير بالنجاح الذي حققه هذا الهجوم، والذي غيّر على ما يبدو قواعد اللعبة ليس مع إيران فقط بل على مستوى التعامل مع قضايا العالم ككل.

وقد شجّع سكوت العالم على عملية القرصنة التي قامت بها القوات الأميركية في فنزويلا واختطاف رئيسها المنتخب، شجّع ترامب على المضي في هذا النهج، الذي اختطه نتنياهو في المنطقة، ونقله المستشارون الصهاينة، ويتكوف وكوشنر وغيرهم، إلى رأس ترامب ليجري ترجمته لاحقًا في إيران وفنزويلا أولًا، وسيجري تعميمه لاحقًا في غرينلاند وبنما ودول أخرى في أميركا اللاتينية، ليصبح هو النهج السائد في التعامل مع القضايا الدولية، وليتم بالتالي محو الفوارق بين إسرائيل كذراع منفلت وغير منضبط بسياسة الجسم الاستعماري، أو هكذا تبدو، بل يصبح النهج الإسرائيلي بقيادة التيار اليميني الديني الاستيطاني هو النهج المهيمن في السياسة العالمية، وما طبول الحرب الأميركية التي تقرع في إسرائيل منذ أكثر من أسبوع ضد إيران بادعاء دعم الاحتجاجات الداخلية إلا تأكيد آخر على صحة ذلك.

(عرب 48)