ملح الأرض لا زوّارها
2025-12-24 / 10:08
طاهر تيسير المصري:
لا يمكن مقاربة الوجود المسيحي في فلسطين بوصفه مسألة دينية أو طائفية، ولا باعتباره "أقلية" طارئة تشكّلت بفعل تحولات حديثة، بل بوصفه وجودا عضويا متجذرا في تاريخ هذه الأرض وتكوينها الاجتماعي والثقافي. فالمسيحيون الفلسطينيون هم أبناء فلسطين، تَشكّل حضورهم في سياق تاريخي واحد مع بقية مكونات المجتمع، وارتبطت هويتهم بالمكان بوصفه وطنا للعيش والعمل والانتماء، لا مجرد فضاء رمزي أو لاهوتي.
فلسطين هي المكان الذي وُلد فيه السيد المسيح في بيت لحم، ونشأ في الجليل، وتحرك في القدس والناصرة وتل السلطان وكفرناحوم، وهي مدن وقرى فلسطينية قائمة ومأهولة حتى اليوم. إن التذكير بأن المسيح فلسطيني ليس شعارا سياسيا ولا استفزازا أيديولوجيا، بل توصيف تاريخي وجغرافي بديهي، جرى في كثير من الأحيان تفريغه من مضمونه الإنساني والمكاني، عبر قراءات استعمارية سعت إلى فصل المسيح الفلسطيني الكنعاني عن سياقه الطبيعي، وتحويله إلى رمز منزوع الجذور، قابل للتوظيف في سرديات لا علاقة لها بالأرض التي نشأ فيها.
ومنذ القرون الأولى للمسيحية، استمر الوجود المسيحي في فلسطين دون انقطاع، وترك بصماته في العمران واللغة والثقافة وأنماط الحياة. فالكنائس والأديرة، من كنيسة المهد وكنيسة القيامة إلى دير مار سابا وكنيسة البشارة، وكنيسة الجثمانية، وكنسية بئر يعقوب، ليست مجرد آثار صامتة أو مواقع سياحية، بل شواهد على استمرارية تاريخ قديم لشعب عاش فيها وحافظت عليها، واعتبرها جزءا من حياته اليومية. ومع تعاقب العصور، بقي المسيحيون الفلسطينيون جزءا من المجتمع، في لغته وثقافته، ويشاركون في الزراعة والتجارة والحِرَف والإدارة، وأسهموا لاحقا في النهضة العربية الحديثة وفي تشكّل الهوية الثقافية والوطنية الفلسطينية. وإذا نظرنا إلى جذور هذا الوجود، نجد أن الفلسطينيين اليوم، مسيحيين ومسلمين، هم امتداد طبيعي لشعوب المنطقة منذ آلاف السنين، ومن بينهم الكنعانيون، الذين شكلوا أحد أقدم المكوّنات السكانية في أرض فلسطين. هذا الامتداد التاريخي يربط الفلسطينيين بالحضارة الكنعانية ويؤكد أن فلسطين ليست أرضا عابرة أو مستعارة، بل وطن أصيل يمتد في جذوره عبر التاريخ، حيث يسهم كل مكوّن من أبنائها في استمرارية هذا النسيج الحضاري والثقافي الغني.
إن التراجع العددي للوجود المسيحي، خصوصا منذ نكبة عام 1948، لا يمكن فهمه خارج سياق الاقتلاع الاستعماري. فقد تعرض المسيحيون، كغيرهم من الفلسطينيين، للتشريد ومصادرة الأراضي وتدمير البنى الاقتصادية، ما دفع أعدادا كبيرة منهم إلى الهجرة القسرية أو شبه القسرية. ولم يكن هذا النزف نتيجة "خيار ثقافي" أو انعزال اجتماعي، بل نتيجة مباشرة لمشروع استيطاني استهدف تفريغ الأرض من سكانها الأصليين دون تمييز ديني.
ورغم ذلك، لعب المسيحيون الفلسطينيون أدوارا مركزية في الحياة العامة الفلسطينية. ففي المجال السياسي والفكري، شكل جورج حبش أحد أبرز رموز الفكر التحرري الفلسطيني، إلى جانب شخصيات مسيحية أخرى مثل حنا ميخائيل، الذي جمع بين العمل الفكري والسياسي والتنظيمي، وأسهم في بلورة مقاربات نقدية للمشروع الوطني خارج الأطر الطائفية. وفي الحقل الفكري والتاريخي، برز إميل توما كمؤرخ ومفكر قدّم قراءة علمية معمّقة للتاريخ الفلسطيني والعربي، وأسهم في تأسيس وعي نقدي حول الصهيونية والاستعمار.
أما في مجال التعليم والثقافة والمعرفة، فقد كان للمسيحيين الفلسطينيين حضور لافت، من خلال رواد الصحافة مثل عيسى داود العيسى مؤسس جريدة "فلسطين"، التي مثّلت منبرا وطنيا مبكرا في مواجهة الانتداب البريطاني، ومفكرين عالميين من طراز إدوارد سعيد، الذي أسهمت أعماله في تفكيك الخطاب الاستعماري الغربي، وربط القضية الفلسطينية بسؤال العدالة والمعرفة والتمثيل. كما لعبت المؤسسات التعليمية التي أسسها أو أدارها مسيحيون دورا محوريا في بناء النخب الفلسطينية، بعيدا عن أي منطق ديني إقصائي.
إن الدعوة إلى تعزيز الحضور المسيحي في فلسطين اليوم لا تنطلق من منطق الدفاع أو تبرير الوجود، لأن هذا الوجود حقيقة تاريخية لا تحتاج إلى إثبات، بل من منطق التذكير والتحذير. التذكير بأن التعددية كانت دائما أحد مصادر قوة المجتمع الفلسطيني، والتحذير من أن التعصب الديني والفكري، أيا كان مصدره، هو وصفة مؤكدة لتآكل المجتمعات من الداخل. فالمجتمعات لا تنهار بسبب تنوعها، بل بسبب عجزها عن إدارة هذا التنوع بعقلانية وعدالة.
وفي هذا السياق، تبرز خطورة بعض الخطابات الدينية المعاصرة، بما فيها فتاوى تُحرّم تهنئة المسيحيين بأعيادهم، دون سند عقلاني أو اجتماعي أو وطني. فهذه الخطابات لا تعكس تاريخ فلسطين ولا تقاليدها، بل تُنتج قطيعة مصطنعة بين أبناء المجتمع الواحد، وتُضعف النسيج الوطني في لحظة تتطلب أعلى درجات التماسك.
ولا يكتمل الحديث عن التعددية التاريخية في فلسطين دون الإشارة إلى السامريين، القاطنين في نابلس منذ فجر التاريخ، بوصفهم إحدى أقدم الجماعات الدينية المتجذّرة في هذه الأرض. فالسامريون، رغم عددهم القليل، يشكّلون شاهدا حيا على أن فلسطين كانت، عبر آلاف السنين، فضاءً للتنوع والاستمرارية السكانية، لا أرضا أحادية الهوية كما تحاول بعض السرديات تبسيطها أو اختزالها.
إن هذا المقال لا يسعى إلى تثبيت مسلّمات بقدر ما يسعى إلى استعادة الذاكرة الفلسطينية الجامعة، والتأكيد على أن المسيحيين الفلسطينيين، إلى جانب المسلمين والسامريين، هم أبناء شعب واحد، تشاركوا الأرض والتاريخ والمصير. ففلسطين، التي أنجبت المسيح، واحتضنت الإسلام، وحافظت على تنوعها عبر القرون، تقدّم درسا واضحا يتلخص في أن الوحدة القائمة على المواطنة والاحترام المتبادل ليست ترفا أخلاقيا، بل شرطا وجوديا للبقاء، أما التعصب الديني والفكري فليس دفاعا عن الهوية، بل طريقا مختصرا إلى ضياعها.
ومع حلول موسم أعياد الميلاد، أتقدم بالتهنئة إلى جميع المسيحيين الفلسطينيين، وإلى الكل الفلسطيني، متمنيا أن تكون هذه الفترة مناسبة للتجديد والتلاقي وتعزيز روابط الانتماء المشترك، بعيدا عن أي اعتبارات طائفية أو تمييزية. فكما هم المسيحيون جزءا أصيلا من النسيج الفلسطيني عبر التاريخ، فإن هذه اللحظات تذكرنا جميعا بأن قوة فلسطين تكمن في وحدتها وتعددها، وأن الاحترام المتبادل والمواطنة المشتركة هما الملح الذي يحافظ على استمراريتها وصمودها.