سقوط الأقنعة ... فلسطين حين تروي نفسها
2025-12-17 / 13:24
التطور الهائل في وسائل الاتصال، وتسارع انتقال المعلومة، وتراجع قدرة الحكومات على التحكم الكامل بالإعلام، أحدث شقًّا بنيويًا في جدار السيطرة
نافذة :- خاص - ليس ما يجري اليوم في فضاء الاتصالات مجرد تطوّر تقني، ولا طفرة أدوات بل هو تحوّل تاريخي يضرب في عمق الهيمنة الغربية على الوعي، وعلى ما سُمّي طويلاً بـالسردية الحقيقية. هذه السردية التي احتكرتها الدول الكبرى، لا لتخفيها عن الشعوب المستعمَرة فحسب، بل عن شعوبها هي أيضًا، فشوّهت الحقائق، وقلَبَت المفاهيم، وقدّمت الصهيونية وهي في جوهرها حركة استعمارية عنصرية بوصفها حركة تحرر، فيما صوّرت نضال الشعب الفلسطيني، وهو نضال شعب عن أرضه ووجوده، على أنه إرهاب.
بهذه المعادلة المصطنعة فُتح الباب واسعًا أمام ارتكاب المجازر، لا بوصفها جرائم، بل بوصفها "دفاعًا عن النفس". وهكذا جرى تزييف الوعي العالمي لعقود، تحت سطوة الإعلام الموجَّه، والمؤسسات الأكاديمية المسيَّسة، والآلة الثقافية التي لا تقل خطورة عن الدبابة والطائرة.
غير أن ما لم تحسب له هذه المنظومة حسابًا، هو أن التاريخ لا يسير في خط مستقيم يخضع لإرادتها وحدها. التطور الهائل في وسائل الاتصال، وتسارع انتقال المعلومة، وتراجع قدرة الحكومات على التحكم الكامل بالإعلام، أحدث شقًّا بنيويًا في جدار السيطرة. لم تعد الصورة حكرًا على وكالات كبرى، ولا الرواية محصورة في بيانات رسمية. بات الهاتف الصغير في يد شاب فلسطيني في غزة أو نابلس أقوى، في أثره التراكمي، من نشرات الأخبار المفلترة.
هذا التحول لم يمنح الشعب الفلسطيني مجرد منصة، بل أعاده فاعلًا في إنتاج روايته ، لا متلقيًا سلبيًا له. فصار الفلسطيني شاهدًا ومُشاهدًا في آن، يوثّق جريمته، ويسمي قاتله، ويضع العالم أمام مسؤولية أخلاقية لا يمكن الهروب منها بسهولة. ومع هذا التطور، سقط وهم احتكار الحقيقة؛ لأن التطور نفسه ليس نقطة يمكن تطويقها أو السيطرة عليها، بل مسار مفتوح يتقدم بلا توقف، ولا أحد يدري إلى أي مدى سيذهب.
من هنا، فإن النتيجة السياسية والتاريخية لهذا المسار واضحة فما دام التطور قائمًا، فإن الحقائق لم تعد قابلة للإخفاء كما في السابق. وكل يوم يمرّ هو، في جوهره، يوم إضافي من الفشل لدولة الاحتلال،في المقابل، تتعزز القضية الفلسطينية بوصفها قضية وطنية تحررية، وقضية إنسانية أخلاقية، تتجاوز حدود الجغرافيا إلى ضمير العالم.
وفي هذا السياق، تبدأ الصهيونية بالانكشاف على حقيقتها بمشروع استيطاني إحلالي، لا يمكن تلميع وجهه مهما تغيّرت أدوات الدعاية. كما إن انكشافها لا يعني نهايتها الفورية، فالمشاريع الاستعمارية لا تسقط بين ليلة وضحاها، لكنها حين تفقد قدرتها على تبرير ذاتها، تدخل طور التآكل التاريخي.
الاستشراف هنا ليس نبوءة رومانسية، بل قراءة في منطق الأشياء بسبب ان المستقبل لا يكون لمشروع يقوم على القمع الدائم، ولا لكيان يعيش على تزوير الوعي إلى الأبد. المستقبل، بطبيعته، يميل إلى الحق حين تتوفر له شروط الظهور، وقد بدأت هذه الشروط بالتشكّل. لذلك، فإن معركة الفلسطيني اليوم معركة بدأت موازينها تميل، ببطء لكنه بثبات، لصالح أصحاب الحق.
لهذا كله، يمكن القول بثقة تاريخية لا بشعارات بأن المستقبل ليس للاحتلال، ليس لأن الاحتلال سيُهزم أخلاقيًا فقط، بل لأنه بات مكشوفًا، وعاريًا من سرديته، في شعوب لم يعد يقبل الأكاذيب الكبرى بسهولة.