مقتل أبو شباب ومسار تآكل المجموعات المتعاونة في غزة

2025-12-07 / 10:05

Post image

 

 

ياسر مناع:

 

قد لا يستحقّ أن يُفرد له ذكرٌ أو تُسطر عنه كلمة، غير أنّ بعض الوقائع تتجاوز قيمتها الآنية لتغدو ذات دلالات أبعد مدى وأعمق أثرًا. ومن هذا القبيل يأتي مقتل ياسر أبو شباب، مؤسّس ما يُعرف بـ"القوات الشعبية"، إحدى المجموعات المتعاونة مع إسرائيل داخل غزة. فليست أهمية الحدث كامنة في الشخص نفسه، بل فيما يكشفه من مؤشرات عميقة على مسار هذه المجموعات، ومستقبلها، والدور الذي تؤديه في القطاع.

تفترض هذه المقالة أنّ مقتل أبو شباب لا يُعدّ نهايةً لهذه المجموعات، بل محطةً مفصلية في مسار تآكلها التدريجي. فبينما تبدو هذه التشكيلات في حالة تفككٍ وفقدانٍ للشرعية الاجتماعية، يظلّ الجيش الإسرائيلي بحاجةٍ إليها ما دام يحتفظ بوجودٍ ميداني داخل قطاع غزة. ومن ثمّ، فإنّ الحديث عن اختفائها التام يبدو سابقًا لأوانه، لأنّ بنيتها الوظيفية مرتبطة ببنية السيطرة العسكرية ذاتها التي لا تزال قائمة حتى اللحظة.

ومع ذلك، تشير التجارب التاريخية إلى أنّ إسرائيل في حال انسحابها من غزة لن تحمي هذه المجموعات، بل ستتخلى عنها كما فعلت في تجارب سابقة، لتواجه مصيرها منفردة في مجتمعٍ يراها خائنة ومجرّدة من أي غطاءٍ سياسي أو اجتماعي. فهذه الظاهرة ليست جديدة في التاريخ، إذ درجت القوى الاستعمارية على توظيف فئات محلية مؤقتة ثم تركها لمصيرها بعد انتهاء الحاجة إليها.

منذ بدايات حرب الإبادة على قطاع غزة، كان استبدال حكم حركة حماس أحد الأهداف المركزية في الاستراتيجية الإسرائيلية، وإن لم يتحقق فعليًا على الأرض، إلا أنّه ظلّ حاضرًا في الخطاب السياسي والعسكري الإسرائيلي بوصفه غايةً بعيدة المدى. كما شكّلت إدارة السكان إحدى القضايا الجوهرية في التفكير الإسرائيلي، إذ سعت تل أبيب إلى إيجاد أدواتٍ محليةٍ تُسهِم في تنظيم المجال السكاني وضبطه بما يخدم متطلبات السيطرة العسكرية.

فالجيش الإسرائيلي يدرك أنّ فرض سيطرةٍ دائمةٍ ومباشرةٍ على قطاع غزة أمرٌ بالغ الصعوبة، سواء من الناحية العسكرية أو السياسية أو الديموغرافية، في ظلّ بيئةٍ معاديةٍ مكتظةٍ بالسكان ومحمّلةٍ بإرثٍ طويل من المقاومة. وفي المقابل، كان التخوف الأكبر داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية هو أن تضطرّ إسرائيل إلى تولّي إدارة القطاع بنفسها، بما يحمله ذلك من أعباء بشريةٍ وسياسيةٍ واقتصاديةٍ جسيمة. لذلك اتجهت إلى تشكيل طبقةٍ محليةٍ وسيطة تُنفّذ التعليمات وتُمارس الرقابة بالوكالة عنها، في محاولة لتخفيف الاحتكاك المباشر مع السكان وضمان استمرار أدوات السيطرة بغطاءٍ داخلي.

في هذا الإطار، بدأت تتكوّن داخل القطاع مجموعات محلية صغيرة متعاونة مع الاحتلال، لا تقوم على مشروعٍ سياسي أو اجتماعي، بل وُلدت كأذرعٍ أمنية ميدانية تابعة مباشرة لتوجيهات الجيش الإسرائيلي. تعمل هذه المجموعات وفق مصالح الاحتلال وأوامره مقابل المال، دون أن تمتلك أيّ شرعية داخلية أو قاعدة اجتماعية حقيقية.

وقد اضطلعت تلك المجموعات بأدوارٍ ميدانية متعدّدة في خدمة الاحتلال، شملت المراقبة وجمع المعلومات والتفتيش، والمشاركة في مهام خاصة تحت غطاءٍ مدني. ومن أبرز الشواهد على هذا النمط ما كشفته شهادة الأسيرة المحررة تسنيم الهمص، التي أكّدت أنّ من اعتقلها وسلّمها للجيش الإسرائيلي كان عناصر جماعة أبو شباب نفسها، ما يبيّن الطبيعة الوظيفية البحتة لهذه التشكيلات، التي تعمل كأذرع تنفيذية للجيش وليست كيانات محلية مستقلة.

غير أنّ هذه المجموعات، ومنذ نشأتها، واجهت مأزق الشرعية الاجتماعية. فهي مرفوضة شعبيًا، تُعامَل باحتقارٍ من قبل السكان المحليين الذين يرون فيها خيانةً صريحة، كما أنّها تفتقر إلى أي غطاءٍ سياسي أو حمايةٍ اجتماعية. فمجرد التعامل معها يُعدّ في نظر الغزيين وصمة عارٍ تُقصي صاحبها من النسيج الاجتماعي. هذه العزلة المتزايدة جعلت وجودها هشًّا ومؤقتًا، يعتمد بالكامل على الحماية الإسرائيلية الميدانية، التي تشكّل مظلة بقائها الوحيدة.

كما تفاقمت أزمة هذه المجموعات بسبب الخلفيات الإجرامية لمعظم قادتها وأفرادها، إذ يحمل كثير منهم سجلات جنائية وسوء السلوك قبل انخراطهم في العمالة. وقد جعل هذا الإرث الإجرامي الناس ينفرون منهم ويبتعدون عنهم حتى داخل بيئاتهم الاجتماعية الضيقة. ومع مرور الوقت، باتت صورتهم في المخيال الشعبي أقرب إلى ميليشيات مأجورة بلا مبادئ، توظّفها إسرائيل في المهمات القذرة التي تتجنّب القيام بها مباشرة.

وفي المقابل، تحاول بعض الأطراف الإعلامية الإسرائيلية والدوائر المقرّبة من الجيش التهوين من أهمية الحدث، عبر تصوير مقتل أبو شباب كواقعة أمنية محدودة لا تتجاوز بعدها الميداني. هذا الخطاب التبسيطي يسعى إلى طمس الدلالات العميقة التي تحملها الواقعة، سواء في بعدها التنظيمي أو الرمزي، لأنّ الاعتراف بانهيار هذه المجموعات يعني عمليًا فشل أحد المشاريع المركزية لإدارة الاحتلال في القطاع، والمتمثّل في خلق وكلاء محليين يمكن الاعتماد عليهم لتسيير الحياة المدنية في ظلّ الاحتلال أو في مرحلة ما بعد الحرب.

لكن القراءة الدقيقة للمشهد تبرز أن اغتيال أبو شباب مثّل ضربةً تنظيمية ومعنوية قاصمة لهذه المجموعات، إذ سوف تكشف عن هشاشتها البنيوية وعجزها عن إعادة إنتاج نفسها أو تعويض خسائرها القيادية. كما أنّ غياب أي بنية مؤسسية أو قيادة بديلة يجعل مصيرها مرهونًا باستمرار الدعم الإسرائيلي المباشر. ومع انعدام حاضنتها الاجتماعية وتفكّك شبكاتها الميدانية، باتت هذه المجموعات تسير نحو التآكل الذاتي، إذ تفقد تدريجيًا مقوّمات البقاء.

إنّ استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في قطاع غزة يعني أنّ الحاجة إلى أدواتٍ محليةٍ ستظل قائمة، وإنْ بأشكالٍ متحوّلة. فهذه المجموعات، رغم ضعفها وتآكلها الاجتماعي، لا تزال تؤدي وظيفة أمنية مؤقتة تخدم بنية السيطرة الإسرائيلية في الميدان، ولا يمكن للجيش الاستغناء عنها ما دام منخرطًا في العمليات اليومية داخل المناطق المأهولة.

لكنّ مقتل ياسر أبو شباب يكشف بداية انحدارٍ واضح في فاعلية تلك الشبكات، ويؤشر إلى انتقالها من موقع الأداة الميدانية إلى عبءٍ أمنيٍّ فاقدٍ للثقة والشرعية. فالعلاقة التي تربطها بالاحتلال علاقة استخدامٍ ظرفيٍّ لا أكثر، تُدار بمنطق المصلحة المباشرة وتنتهي بمجرد انتفائها.

ومع أيّ انسحابٍ إسرائيليّ محتمل، يُرجَّح أن تلقى هذه المجموعات المصير ذاته الذي واجهته فئاتٌ متعاونة مع قوى احتلالٍ أخرى. وهكذا يغدو مقتل ياسر أبو شباب من الإشارات إلى النهاية المحتومة لشبكاتٍ نشأت على الارتهان وفقدان الجذور، إذ ستزول بانحسار الغطاء العسكري الذي وفّر لها الحماية المؤقتة، كما حدث في تجاربٍ سابقة من جنوب لبنان إلى أفغانستان.

(عرب 48)