الأمل في الأسير: مروان البرغوثي ودرس مانديلا للتحرر الوطني
2025-11-30 / 20:45
يوسف شرقاوي:
لكل إنسان في هذه الحياة دور إنساني، ولكل شخص أيضًا دور مهني ووظيفي، لكنه، في بعض اللحظات التاريخية، قد يُمنح فرصة نادرة لأداء دور تاريخي يتجاوز ذاته، ويصبح جزءًا من مسار شعوب بأكملها نحو الحرية والكرامة. هذه الأدوار لا تُمنح إلا لقلّة من البشر، الذين يلتقطونها بنضج وتجربة، ويضعون مصلحة شعبهم فوق مصالحهم الشخصية. وفي السياق الفلسطيني المعاصر، قد يكون القيادي الأسير مروان البرغوثي أحد هؤلاء القلّة.
لكي يتحقق هذا الدور التاريخي، يجب أن تتوافر ثلاثة عناصر رئيسية: النية، والإرادة، والآلية المجدية لتحريره من الأسر.
أولاً: النية
النية ليست مجرد فكرة عابرة، بل هي وعاء الفكر السياسي والوعي الوطني. يجب أن تتشكل النية أولًا داخل صفوف اتجاهه السياسي في حركة فتح، ثم تتوسع لتشمل الحالة الفلسطينية العامة. النية تتطلب إدراكًا عميقًا بأن البرغوثي يمثل رمز الأمل، ووسيلة لإشاعة التفاؤل لدى الجماهير الفلسطينية، في ظل أجواء اليأس والإحباط التي يعانيها المواطن العادي. الصراحة هنا واجبة، حتى لو كانت مؤلمة، لأن شعبية البرغوثي تمنحه قدرة على التأثير في العقل الجمعي الفلسطيني.
ثانيًا: الإرادة والشجاعة
النية وحدها لا تكفي، فبدون إرادة صلبة وشجاعة حقيقية، تبقى الأفكار حبرًا على ورق. يجب أن تتحلى بها نخبة الكادر المتقدم في فتح، لإجراء حوار هادئ وموضوعي وجاد مع أعضاء المركزية والمجلس الثوري، أو عدد محدود منهم. هذا الحوار يحتاج إلى عمق المسؤولية والتفكير الاستراتيجي، لاستحضار تجربة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي في جنوب أفريقيا، الذي نجح في تحرير نيلسون مانديلا من المعتقل، ليس بالقوة المباشرة، بل بخطوات مدروسة، تضمنت التراجع أحيانًا أمام الضغوط الداخلية والخارجية، لتمكين مانديلا من قيادة كفاح وطني شامل ضد التمييز العنصري، وتأسيس نظام سياسي يحظى بالاحترام والمصداقية الدولية.
ثالثًا: الآلية المجدية
تحقيق الهدف يتطلب آلية واضحة وعملية، تعتمد على خطوات مدروسة تراعي السياق السياسي والاجتماعي، وتحاكي التجارب الناجحة عالمياً. يجب أن ،تعتمد هذه الآلية على الصبر والتفكير الاستراتيجي لتحقيق الأهداف بنجاح وتوازن بين المبادرة الفردية والقرار الجماعي داخل المؤسسات الوطنية، بحيث يتمكن البرغوثي من العودة ليكون رمزًا للتغيير والحرية، كما كان مانديلا في جنوب أفريقيا.
الدرس التاريخي
ما يجعل هذا الدور مميزًا ليس مجرد التحرر الشخصي، بل القدرة على إشاعة الأمل، وتوجيه النضال نحو مسار سياسي حضاري وعميق. فالحرية ليست هدفًا فرديًا، بل مشروعًا جماعيًا، والقيادات التاريخية هي التي تستطيع أن تحول معاناتها الشخصية إلى أدوات تغيير، وأن تحوّل الرموز إلى أمل ملموس للشعب.
في النهاية، قد يكون مروان البرغوثي، برمزياته وتجربته، أحد القلّة الذين يلتقطون الأدوار التاريخية، ويستطيعون توجيه مسار شعب بأكمله نحو الحرية، الكرامة، والمساواة. لكن هذا يتطلب من القادة الفلسطينيين إرادة صادقة، نية خالصة، وآلية مدروسة، ليصبح الرمزية الفعلية ليست مجرد فكرة، بل واقعًا يلامس حياة الناس ويعيد بناء الأمل الوطني.