من أمنَ العقاب… وصمتُ العالم

2025-11-20 / 20:55

ومع ذلك، فإن كل هذا التطرف لن يصنع أمنًا "لإسرائيل"، ولن يطمس حقيقة الصراع. فقد أثبت التاريخ أن الشعوب التي تُقصَف وتُجوَّع وتُهان، لا تموت، بل تعود أقوى. والاحتلال الذي يظن اليوم أنه بلا ثمن سيكتشف غدًا أن كل قرار اتخذه لتصفية الفلسطينيين كان خطوة أخرى نحو هزيمته. هذا هو قانون التاريخ… وليس قانون الشاباك.
Post image

بقلم :- فادي البرغوثي 

لم يكن إعلان صحيفة هآرتس عن إبلاغ رئيس الشاباك للحكومة أنه غيّر موقفه وبات يؤيد قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين مجرّد حدث في سياق السياسة "الإسرائيلية"؛ بل هو مؤشر جديد على الانزلاق المتسارع نحو فاشية مكتملة الأركان. هذا التحول لا ينبع فقط من طبيعة المنظومة الأمنية "الإسرائيلية"، بل من إدراكٍ عميق لدى مؤسسات الاحتلال بأن البيئة المحيطة لم تعد تشكّل أي كابح حقيقي. فمنذ سنوات، تتراكم الشواهد على أن كل خطوة "إسرائيلية" نحو التطرف، مهما بلغت وحشيتها، ستحظى بغطاء خارجي ورضى داخلي وصمت عربي.

فالاحتلال الذي خاض حرب إبادة في غزة، على مرأى من العالم كله، اكتشف أن سقف ردود الفعل الدولية لم يعد يشكل تهديدًا، بل صار جزءًا من استراتيجية منح الضوء الأخضر. العالم الذي كان يتشدق بـ"القانون الدولي" وضعه جانبًا لحظة اصطدامه بالوقائع الدامية، وترك الفلسطيني وحده أمام آلة القتل. لم تكن غزة اختبارًا أخلاقيًا للعالم فحسب؛ بل كانت إعلانًا رسميًا أن إلاحتلال يستطيع الذهاب إلى أقصى درجات الجريمة، من دون أن يتحمل ثمنًا فعليًا. ومن هنا، يصبح تأييد قانون إعدام الأسرى نتيجة طبيعية لثقافة الإفلات من العقاب.

على المستوى الفلسطيني، تتجلى الأزمة بصورها كافة. فالصمت الرسمي، أو الاكتفاء ببيانات مترددة، يعكس فقدان البوصلة السياسية وصعود خطاب المساكنة مع الاحتلال. حين يشعر الاحتلال أن الموقف الفلسطيني الرسمي يشيح بنظره عن الجريمة أو يضعها في إطار "الحسابات السياسية"، فهو يدرك أن ليس هناك من يردعه. وهتا تتجلى الحقيقية بان الاحتلال لا يقوى إلا حين يضعف أصحاب الحق، ويتمدّد حين يرى أن البنية السياسية للخصم غارقة في الحسابات الفئوية والرهانات الخارجية.

أما على المستوى العربي، فإن التحوّل نحو التطبيع ليس مجرد خطأ سياسي، بل هو مكافأة مجانية لجرائم الاحتلال، وتثبيت لوعيه الاستعماري بأن "المنطقة كلها تحت السيطرة". لقد أصبح التطبيع، بمضمونه الحالي، إعلانًا بأن الأنظمة ترضى بما يجري، مهما بلغت همجيته. هذا التواطؤ العربي يرسل إشارة واضحة للمحتل: افعلوا ما تشاؤون، فليس هناك من يردّ أو يهدد أو حتى يرفع الصوت.

السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم: لماذا يندفع الاحتلال أكثر فأكثر نحو التشريعات المتطرفة؟ والجواب بسيط وعميق يتلخص قي البيئة كلها فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا هذه البيئة تقدم وقدمت له المعادلة الذهبية: "من أمن العقاب أساء الأدب". الاحتلال اليوم ليس أقل عقلانية كما يحاول البعض وصفه، بل أكثر عقلانية في قراءة موازين القوى. العقلانية في المعنى الاستعماري هي اتخاذ أقصى تدابير القمع حين يعلم المستعمِر أن أحدًا لن يوقفه.

في هذا المناخ، يصبح من الطبيعي أن تتنامى الفاشية داخل دولة الاحتلال، وأن تتقدم مشاريع مثل إعدام الأسرى، وتهجير السكان، وشرعنة المستعمرين، وإطلاق يد الجيش من دون مساءلة. فالفاشية هنا لا تُولَد في الفراغ؛ إنها بنت لحظة سياسية ترى فيها دولة الاحتلال أن المجال مفتوح بلا قيود.

إن المأزق الحقيقي اليوم ليس فقط في القانون "الإسرائيلي" الجديد، او في ما صرح فيه مسؤول الشاباك بل في صمت العالم الذي أصبح جزءًا من ماكينة الإبادة، وفي منظمة التحرير التي تناست وتتناسى وظيفتها ، وفي أنظمة عربية تخلّت عن دورها التاريخي. ما يجري هو عملية إعادة تشكيل للشرق الأوسط على قاعدة القوة العارية؛

ومع ذلك، فإن كل هذا التطرف لن يصنع أمنًا "لإسرائيل"، ولن يطمس حقيقة الصراع. فقد أثبت التاريخ أن الشعوب التي تُقصَف وتُجوَّع وتُهان، لا تموت، بل تعود أقوى. والاحتلال الذي يظن اليوم أنه بلا ثمن سيكتشف غدًا أن كل قرار اتخذه لتصفية الفلسطينيين كان خطوة أخرى نحو هزيمته.
هذا هو قانون التاريخ… وليس قانون الشاباك.