من حماية المدنيين إلى حماية الاحتلال .... حقيقة مشروع القرار الأميركي

2025-11-15 / 13:09

أن مشروع القرار الأميركي يمثل محاولة سياسية خطيرة لانتزاع غزة من سياقها الوطني الفلسطيني، وتغريبها ضمن ترتيبات أمنية دولية تخدم الاحتلال
Post image

نافذة - يطرح مشروع القرار القاضي بنشر قوة دولية في قطاع غزة بالتنسيق مع اسرائيل، الذي تصر الولايات المتحدة على تمريره في مجلس الأمن جملة من الأسئلة احول دوافع هذا القرار، ومآلاته، ومدى احترامه للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. فالمشروع، بصيغته المتداولة، لا يعكس رؤية لإنهاء العدوان أو حماية المدنيين، بقدر ما يشكّل التفافًا خطيرًا على الحق الفلسطيني في تقرير المصير، ومحاولة لتكريس واقع استعماري جديد بغطاء دولي.

أوّل ما يثير الريبة في هذا المشروع هو اشتراط التنسيق المباشر بين القوة الدولية المقترحة وبين دولة الاحتلال، وهي الجهة التي ارتكبت باعتراف منظمات دولية متعددة مجازر واسعة النطاق بحق الفلسطينيين، شملت قتل الأطفال والنساء، واستهداف المستشفيات، وتدمير البنى التحتية المدنية. وهنا تبرز المفارقة اذ كيف يمكن لقوة يفترض أن تكون لحماية المدنيين أن تعمل تحت إشراف وتنسيق مع الطرف الذي يعتدي على هؤلاء المدنيين؟
إن هذا الشرط يكشف جوهر المشروع الذي هو ليس حماية الفلسطينيين، بل إعادة إنتاج السيطرة الإسرائيلية على غزة بشكل أكثر “نعومة” وشرعية دولية.

كما يتضمن مشروع القرار بندًا إلزاميًا حول نزع سلاح حركة حماس وربطه بإجراءات وقف إطلاق النار، وهو طرح يعكس رؤية سياسية منحازة بالكامل لرواية الاحتلال. فالولايات المتحدة تتجاهل حقيقة أن حماس، كما فصائل المقاومة الأخرى، تدافع عن أرض محتلة وفقًا للقانون الدولي الذي يقرّ بحق الشعوب في مقاومة الاحتلال.
وبدلًا من معالجة جذور الصراع أي الاحتلال العسكري المستمر منذ عقود تسعى واشنطن إلى تفكيك آخر أدوات القوة التي تمتلكها المقاومة الفلسطينية، بينما تتجاهل تمامًا جرائم جيش الاحتلال وميليشياته الاستيطانية، وتمنحهم عمليًا امتيازات إضافية لم يتمكنوا من الحصول عليها حتى عبر القوة العسكرية.

إن المعادلة التي يطرحها القرار ليست سوى هندسة سياسية جديدة: مقاومة منزوعة السلاح مقابل بقاء دولة الاحتلال مسلحة حتى الأسنان، دون مساءلة أو محاسبة.
ومن شأن هذه الهندسة أن تخلق وضعًا غير متوازن أبدًا، يحوّل القوة الدولية إلى أداة أمنية تعمل على “ضبط الفلسطينيين” وليس حماية الفلسطينيين. وفي ظل سوابق عديدة للتدخلات الدولية المنحازة، يخشى الفلسطينيون أن تتحول هذه القوة إلى عنصر يشرعن وجود الاحتلال بدل إنهائه.

ومما يزيد القلق الفلسطيني أن المشروع الأميركي لا ينص على أي آليات واضحة لمحاسبة الاحتلال على جرائمه أو إلزامه بوقف الاستيطان أو الانسحاب من الأراضي المحتلة. بل إن المشروع، بصيغته الحالية، يُكافئ الجلاد بتمكينه من توجيه القوة الدولية بما يخدم مصالحه الأمنية، ويوفر له غطاءً لممارسة مزيد من الضغط على الشعب الفلسطيني، وربما فرض ترتيبات أمنية دائمة تتجاوز غزة إلى الضفة أيضًا.

إن الفكرة الجوهرية التي يتهرب منها المشروع الأميركي هي حقيقة أن القوة الدولية إذا كان هدفها حماية المدنيين فعلًا يجب أن تكون مستقلة تمامًا عن دولة الاحتلال، وأن تعمل فوق الأرض المحتلة لضبط سلوك الاحتلال، لا بضبط سلوك الفلسطينيين. أما التنسيق مع الجيش الذي ارتكب الإبادة، فهو نسفٌ لأي حياد أو شرعية.

كما أن الواقعية السياسية تفرض طرح سؤال أساسي مهم ... لماذا يُصرّ المشروع على نزع سلاح الفلسطينيين، بينما لا يتطرق إلى نزع سلاح دولة الاحتلال التي تستخدم الطائرات الأميركية والصواريخ الأميركية والدعم السياسي الأميركي لقتل المدنيين؟
إن هذا التجاهل ليس محض صدفة، بل انعكاس لرؤية أميركية تعتبر أمن"إسرائيل" أولوية مطلقة، بينما تُختزل حقوق الفلسطينيين في عبارات إنسانية عامة لا تُلزم أحدًا.

ومن هنا، يمكن القول إن مشروع القرار الأميركي لا يساوي بين الضحية والجلاد فحسب، بل يميل بالكامل لصالح الجلاد، ويقدم له ما عجز عن تحقيقه عبر الحرب والدمار. فبدلًا من الضغط على إسرائيل لوقف عدوانها، ومنعها من إعادة احتلال غزة أو فرض إدارة أمنية عليها، يمنحها مشروع القرار فرصة لإعادة تشكيل القطاع وفق رؤية إسرائيلية أميركية مشتركة، بعيدة كل البعد عن تطلعات الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية.

ختامًا، فأن مشروع القرار الأميركي يمثل محاولة سياسية خطيرة لانتزاع غزة من سياقها الوطني الفلسطيني، وتغريبها ضمن ترتيبات أمنية دولية تخدم الاحتلال.وإذا كان المجتمع الدولي جادًا في حماية المدنيين وإنهاء الصراع، فإن البديل الحقيقي هو:إنهاء الاحتلال، ومحاسبة مرتكبي الجرائم،والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه، وضمان استقلال القوة الدولية عن الاحتلال لا الخضوع له.غير ذلك هو شرعنةٌ للعدوان، وتطبيعٌ للمجازر، والتفافٌ على الحقوق الفلسطينية المشروعة.