تفكك الأسطورة: من غارودي إلى ممداني وحرب غزة
2025-11-08 / 23:55
هناك خط فلسفي واضح يمتد عبر الزمن، يفيد بأن كل فكرة حوربت في الماضي سرعان ما تجد طريقها للتحرر
فادي البرغوثي – نافذة
"أعظم أشكال العبودية هي عبودية العقل، حين يظن نفسه حرًّا بينما هو ليس كذلك."
من روجيه غارودي، وعود الإسلام، 1981، ص. 27
في منتصف التسعينيات، أحدث الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي زلزالًا فكريًا بكتابه «الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل». لم يكن غارودي مجرد مؤرخ، بل كان ضميرًا يبحث في ذاكرة العالم عن الحقيقة التي طُمست باسم المحرقة. كتب عن “الحق الإلهي في الأرض”، و“الاستثناء الأخلاقي للشعب المختار”، و“الاحتكار الحصري للمعاناة”، موضحًا كيف تحولت هذه الأساطير إلى أدوات لتبرير الاحتلال وتطهير الفلسطينيين من أرضهم.
ثمن كشف الحقيقة كان باهظًا، فقد تعرض غارودي لمحاكمة بتهمة “إنكار المحرقة”، رغم أن موقفه لم يكن إنكار مأساة اليهود، بل رفض استخدام المحرقة لتبرير الظلم بحق الفلسطينيين. كانت محاكمته إعلانًا واضحًا بأن حرية التعبير تنتهي حين تمس الأسطورة الرسمية. ومع ذلك، ظلّ غارودي مؤمنًا بأن الأفكار وأن التاريخ وحده يحقق العدالة للأفكار الشجاعة.
بعد ثلاثة عقود، بدأ صدى أفكاره يتحقق على أرض الواقع، خاصة مع حرب غزة الأخيرة التي كشفت الوجه الحقيقي للاحتلال وازدواجية الغرب الذي ظل يغطي الانتهاكات بأساطير أخلاقية لم تعد قابلة للإخفاء. فالصور المباشرة للأطفال والمدنيين تحت الركام فضحت الرواية الرسمية، وسقطت الحصانة التي منحت إسرائيل غطاءً أخلاقيًا لعقود، لتنكشف الأساطير التي حاولت تبرير الاحتلال أمام الضمير العالمي.
في هذا السياق، أصبح فوز زهران ممداني برئاسة بلدية نيويورك علامة فارقة للوعي الجديد. ففي قلب هذه المدينة، المركز المالي والإعلامي العالمي، شهد العالم أن شابًا مسلمًا يمكنه أن يتحدث بجرأة عن العدالة والمساءلة، ويطالب بمحاكمة نتنياهو كمجرم حرب دون خوف من عقوبات سياسية أو تراجع انتخابي. وهنا يظهر دور ممداني ليس فقط كسياسي، بل كرمز حي لفكرة تفكك الأسطورة التي كتب عنها غارودي فالأفكار التي حوربت بالماضي اصبحت وعيًا جماعيًا
هناك خط فلسفي واضح يمتد عبر الزمن، يفيد بأن كل فكرة حوربت في الماضي سرعان ما تجد طريقها للتحرر، لتصبح جزءًا من وعي الشعوب الجماعي. وما بين محاكمة غارودي وفوز زهران ممداني، وبين حرب غزة وانهيار الخطاب الإسرائيلي، يمكن رؤية تحقق هذه الفكرة عمليًا، حيث تُترجم الأفكار الشجاعة التي حاولت الأساطير الرسمية إسكاتها اليوم إلى وعي جماعي يكشف زيف الخطابات المزيفة وقد يعيد الاعتبار للعدالة والتاريخ في المستقبل