فوز زهران ممداني.. انعكاس لتحولات الوعي الأميركي بعد حرب غزة

2025-11-05 / 08:41

فوز زهران ممداني في نيويورك، وتصريحات ترامب الأخيرة حول انتقاد إسرائيل، يعكسان تحوّلًا عميقًا في المزاج السياسي العالمي بعد حرب غزة، حيث تتراجع هيمنة الرواية الإسرائيلية ويصعد صوت العدالة للفلسطينيين في قلب الغرب
Post image

 

نافذة - يشكّل فوز الديمقراطي الاشتراكي زهران ممداني بمنصب عمدة مدينة نيويورك تحوّلًا سياسيًا واجتماعيًا بارزًا في المشهد الأميركي، ليس فقط لأنه أول مسلم يتولى هذا المنصب في أكبر مدينة بالولايات المتحدة، بل لأنه يُعبّر عن تغير عميق في المزاج العام، وفي حدود الخطاب السياسي الأميركي تجاه القضية الفلسطينية.

فخلال حملته الانتخابية، أعلن ممداني  وهو من أصول هندية  دعمه الصريح لحقوق الشعب الفلسطيني، وأكد أنه من أنصار حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) ضد الاحتلال الإسرائيلي. كما صرّح أكثر من مرة أنه سيصدر أمرًا رمزيًا باعتقال رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في حال زيارته لنيويورك، واصفًا إياه بأنه “مجرم حرب ومطلوب لمحكمة الجنايات الدولية”.

هذه المواقف، التي كانت قبل أعوام كفيلة بإنهاء المسيرة السياسية لأي مرشح في الولايات المتحدة، لم تمنع ممداني من الفوز بفارق مريح تجاوز 100 ألف صوت، بل ربما ساهمت في تعزيز صورته كمرشح صادق وشجاع في نظر الجيل الجديد من الناخبين الأميركيين، خصوصًا في ظل ما تشهده غزة من عدوان دموي متواصل.

انعكاس مباشر لحرب غزة

يرى محللون أن العدوان الإسرائيلي على غزة ترك أثرًا مباشرًا على الرأي العام الغربي، وأعاد صياغة خطاب الشارع الأميركي. فصور القصف والمجازر اليومية، وانتشار مشاهد الأطفال المصابين والبيوت المدمرة، خلقت هزة ضمير جماعية لم تعد الصحافة الأميركية قادرة على تجاهلها.

ومنذ الأشهر الأولى للحرب، شهدت مدن أميركية كبرى  بينها نيويورك وشيكاغو وواشنطن  مظاهرات حاشدة شارك فيها مئات الآلاف، طالبوا بوقف المجازر ودعم الفلسطينيين، ورفعوا شعارات مثل “من النهر إلى البحر، فلسطين ستكون حرة”. هذه التحركات الشعبية وجدت صداها في الجامعات، والنقابات، والمجتمع المدني، ثم بدأت تتسرب تدريجيًا إلى المستوى الانتخابي والسياسي.

وبحسب مراقبين، فإن جيل الشباب الأميركي، الذي يعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من الإعلام التقليدي، بات يرى المشهد الفلسطيني من زاوية إنسانية لا أيديولوجية. وهذا التحول في الوعي انعكس في نتائج الانتخابات الأخيرة، حيث بات الموقف من الحرب في غزة جزءًا من النقاش العام حتى في الحملات المحلية، كما حدث في حملة ممداني.

كسر “المحرّم السياسي”

منذ عقود، كانت السياسة الأميركية تعتبر انتقاد إسرائيل خطًا أحمر، إذ كان أي سياسي يتجرأ على ذلك يخسر الدعم المالي والإعلامي، بل يُقصى من الحزب نفسه. لكن فوز ممداني يثبت أن هذا “المحرّم السياسي” بدأ يتصدّع.

التحول لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة تراكمات سياسية وشعبية على مدار السنوات الماضية. فالمجتمع الأميركي أصبح أكثر تنوعًا من الناحية العرقية والثقافية، ومع صعود حركات العدالة الاجتماعية مثل “حياة السود مهمة”، اتسعت دائرة الوعي لتشمل القضايا الدولية، وعلى رأسها فلسطين كقضية عدالة إنسانية.

وبينما كان الدعم غير المشروط "لإسرائيل" يُعتبر شرطًا ضمنيًا للقبول السياسي، أصبحت مواقف مثل ممداني  التي ترفض الاحتلال وتدعو إلى محاسبة مجرمي الحرب تجد قاعدة تأييد واسعة، خصوصًا بين الأقليات والمهاجرين والناخبين التقدميين.

تصريح ترامب: “من ينتقد إسرائيل ينتهي سياسيًا”

قبل نحو عشرة أيام فقط، أعاد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب التأكيد على هذه الحقيقة في تصريح أثار جدلًا واسعًا، قال فيه “لقد نشأت في بيئة كان فيها كل من ينتقد إسرائيل ينتهي سياسيًا، لكن الأمور تتغير بسرعة اليوم”.

تصريح ترامب  الذي أدلى به في لقاء تلفزيوني في فلوريدا  يعكس إدراك المؤسسة السياسية الأميركية لحقيقة التحول الجاري. فحتى أكثر الشخصيات قربًا من اللوبي الإسرائيلي بدأت تعترف بأن البيئة السياسية التي كانت تحظر أي انتقاد لإسرائيل لم تعد كما كانت.

ويرى محللون أن هذه التحولات لا تعني فقط تراجع الهيمنة الخطابية "الإسرائيلية" في واشنطن، بل تشير أيضًا إلى انقسام داخلي أميركي متنامٍ حول دور إسرائيل وسلوكها في الشرق الأوسط، خاصة بعد الحرب على غزة التي أظهرت حجم الجرائم والانتهاكات التي يصعب تبريرها حتى من قبل الحلفاء التقليديين.

من نيويورك إلى واشنطن.. السياسة تتغيّر

فوز ممداني في نيويورك ترافق مع فوز المرشحتين الديمقراطيتين أبيغيل سبانبرغر في فرجينيا وميكي شيريل في نيوجيرسي، ما يعزز موقع الحزب الديمقراطي قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. إلا أن ممداني يبقى الأبرز رمزيًا، لأنه يمثل تحولًا في اتجاهات التصويت داخل الحزب الديمقراطي نفسه، حيث باتت القاعدة الشبابية واليسارية أكثر ميلًا لمساندة الفلسطينيين وانتقاد الاحتلال.

في المقابل، يُصرّ الجمهوريون بقيادة ترامب على ربط هذه التحولات بـ“التطرف اليساري”، لكن مؤسسات الرأي العام تظهر أن الغالبية بين الشباب الأميركي ترى أن "إسرائيل" تمارس سياسات فصل عنصري ضد الفلسطينيين. وهذا التطور في وعي الأجيال الصاعدة قد يفرض خلال سنوات قليلة تغييرًا جذريًا في العلاقة الأميركية-الإسرائيلية التي ظلت لعقود “تابوًا مقدسًا”.

تحوّل الضمير العالمي

يتفق محللون على أن فوز ممداني ليس حدثًا انتخابيًا فحسب، بل هو نتاج لتبدّل أعمق في الضمير الإنساني العالمي بعد غزة. فمع استمرار الحرب، وفشل المجتمع الدولي في وقف المجازر، ازداد الوعي الشعبي بأن ما يجري في فلسطين ليس “نزاعًا معقدًا”، بل جريمة استعمارية متواصلة.

هذا الإدراك لم يعد مقتصرًا على المثقفين أو النشطاء، بل أصبح موضوعًا يوميًا في الإعلام الغربي، وفي النقاشات الجامعية والبرامج السياسية. وبذلك، يمكن القول إن حرب غزة  رغم مآسيها  نجحت في تفكيك الرواية "الإسرائيلية" في الوعي الغربي، وأطلقت موجة مراجعة شاملة لمفاهيم العدالة والحرية والمقاومة.

خلاصة

إن فوز زهران ممداني يعكس بداية عصر سياسي جديد في الولايات المتحدة والعالم، حيث لم يعد انتقاد إسرائيل نهاية الحياة السياسية، بل أصبح موقفًا أخلاقيًا يحترمه الناخبون. ومع اتساع الفجوة بين خطاب السلطة وخطاب الشارع، يبدو أن حرب غزة لم تغيّر فقط المشهد في الشرق الأوسط، بل أعادت تشكيل الضمير السياسي الغربي نفسه وفد انتهى  الوقت الذي كان يقول فيه إن “من ينتقد إسرائيل ينتهي سياسيًا”، وان  من يدافع عن العدالة  يبدأ طريقه السياسي اليوم.