القرار بقانون بشأن الجرائم الإلكترونية .. نزيفٌ مستمرٌ لحريات الرأي والتعبير وقيدٌ ثقيل على الفضاء المدني

2025-10-22 / 20:41

في ظل غياب قانون الحق بالحصول على المعلومات، القرار بقانون بشأن الجرائم الإلكترونية .. نزيفٌ مستمرٌ لحريات الرأي والتعبير وقيدٌ ثقيل على الفضاء المدني
Post image

رشا حسونة:
رام الله – نافذة- مئات القضايا يُتابعها المحامي ظافر صعايدة من مجموعة "محامون من أجل العدالة" وفريق المجموعة سنوياً، لمُعتقلين ومُعتقلات على خلفية الرأي والتعبير، لن يكون آخرها اعتقال الناشطة المُجتمعية رماح البياع (62 عاماً) من مدينة بيونيا غرب رام الله، من قِبل الأجهزة الأمنية في الرابع عشر من أيلول 2025، وتم التحقيق مع المواطنة البياع على خلفية منشورات عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، وتوجيه تهمة الذم الواقع على السلطة، استناداً إلى قانون الجرائم الإلكترونية، قبل الإفراج عنها بعد أربعة أيام من الاعتقال، ولا تزال قضيتُها منظورة أمام محكمة صُلح رام الله. 

وبينما تعود المواطنة البياع إلى منزلها مُثقلة بأوجاعها الجسدية والنفسية، كانت عائلة الصحفي مازن عوّاد (47 عاماً) من قرية عورتا جنوب نابلس تنتظر عودته إلى المنزل، وفي انتظار مازن مرت الأيام بطيئة وثقيلة على أسرته الصغيرة، واعتقلته قوة من الأجهزة الأمنية بعد اقتحام منزله فجر التاسع عشر من شهر آب 2025، وجرى تمديد توقيفه لـ 15 يوماً بقرار من محكمة صلح نابلس على خلفية تهم ذات طابع سياسي، في الحادي والعشرين من الشهر ذاته، وأفرج عنه بكفالة مالية. 

وكان الصحفي مازن عوّاد ويعمل مع قناة الكوثر العراقية، قد اعتقل سابقاً في سجون الاحتلال، وهو أسير محرر، ومتزوج ولديه 5 أبناء.

الاعتقالات على خلفية حرية الرأي والتعبير .. في تصاعد مُستمر خلال السنوات الخمس الأخيرة (2020 – 2025) 

الصحفي مازن عوّاد والناشطة المُجتمعية رماح البياع ومئات الأسماء الأخرى التي جرى توثيق اعتقالها سنوياً، فيما يتضح لفريق "محامون من أجل العدالة" ملفات مفتوحة لن تُغلق، بل إنها في تصاعد مُستمر خلال السنوات الخمس الأخيرة (2020 – 2025).   

وتُشير تقارير صدرت عن لجنة أهالي المعتقلين السياسيين إلى توثيق 207 انتهاكات خلال شهر شباط 2025 وحده، شملت اعتقالات واستدعاءات ومداهمات، واستهدفت صحفيين ونشطاء وأسرى محررين وطلبة جامعات، خاصة في محافظات شمال الضفة الغربية. 

ويقول "صعايدة": وثقنا اعتقال العديد من الصحفيين على خلفية العمل الصحفي استناداً إلى قانون الجرائم الإلكترونية، بشكل يُخالف القانون الأساسي الفلسطيني، الذي يكفل حماية العمل السياسي والصحفي والمدني. 

ضمن القانون .. عديدُ المواد يتم استخدامُها لتقييد الحريات العامة، و مُحاصرة الفضاء الإلكتروني

ويُضيف: رغم حاجة المُجتمع الفلسطيني لمكافحة الجرائم الإلكترونية، حيث تُرتكب جرائم الابتزاز والاحتيال الإلكتروني، إلّا أن عديد المواد في القرار بقانون رقم (10) لسنة 2018 بشأن الجرائم الإلكترونية، يتم استخدامها لتقييد الحريات العامة، وكأن القانون أقرّ بهدف ملاحقة حريات الرأي والتعبير المُتصلة بالعمل الصحفي وعمل النُشطاء بشكل عام، وبما يخدم مُحاصرة الفضاء الإلكتروني وملاحقة المُحتوى الذي لا يُعجب السلطة الفلسطينية.

ويلفت أيضاً إلى تغليف جزء كبير من حالات الاعتقال السياسي على خلفية ممارسة أنشطة حقوقية أو على خلفية التعبير عن الرأي، بتهم مختلفة استناداً إلى قانون العقوبات، مثل حيازة سلاح أو جمع وتلقي أموال من جهات غير مشروعة، بينما يكون الاعتقال في جوهره، اعتقالٌ على أساس حريات النشاط السياسي والمدني والحقوقي والصحفي، وعلى أساس حرية الرأي والتعبير.   

وكانت مجموعة "محامون من أجل العدالة" قد شاركت في لقاء تشاوري عقدته وزارة العدل نهاية تموز 2025، بهدف مناقشة ومراجعة قانون الجرائم الإلكترونية المعمول به في فلسطين، وخلال مداخلتها القانونية شددت على ضرورة تعديل المواد التي تشكل تهديداً لحرية الرأي والتعبير والنشاط المدني، وأكدت أهمية مواءمة القانون مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان والاتفاقيات التي انضمت إليها دولة فلسطين، خاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

بوابةٌ للقمع

وتتعاظمُ المخاوف لدى مؤسسات المجتمع المدني وعديد الهيئات والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية، من استخدام القرار بقانون رقم (10) لسنة 2018 بشأن الجرائم الإلكترونية كبوابة للقمع، وبمراجعة عدد من مواده خاصة المادة رقم (45) وتنص على أن "كل من ارتكب فعلاً يشكل جريمة بموجب أي تشريع نافذ باستخدام الشبكة الإلكترونية أو بإحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات، أو اشترك فيها أو تدخل فيها أو حرض على ارتكابها، ولم يُنص عليها في هذا القرار بقانون، يعاقب بالعقوبة ذاتها المقررة لتلك الجريمة في ذلك التشريع"، فإن عدم تحديد الفعل يُعطي مجالاً واسعاً للتعسف في التطبيق والتنفيذ، ويتم الاعتماد على هذه المادة بشكل كبير في تجريم الحقوق والحريات وممارسات حرية الرأي والتعبير بشكل يُخالف الدستور، وذلك بالرجوع إلى عديد القضايا التي تابعتها وتُتابعها مجموعة "محامون من أجل العدالة". 

مُصطلحاتٌ فضفاضة ونصوص واسعة .. وتوصيات بحذف المادة رقم (45) من القرار بقانون بشأن الجرائم الإلكترونية 

أضف إلى ذلك أن استخدام مُصطلحات واسعة مثل "السِلم الأهلي" و"الأمن القومي" و"هيبة الدولة" و"إضعاف الشعور القومي" وغيرها من المُصطلحات الفضفاضة، يمنحُ السلطة التنفيذية صلاحية إغلاق مواقع إلكترونية واعتقال مواطنين ومواطنات، على نحو يُمَكِنُها من استخدام هذه المُصطلحات وتفسيرها وتأويلها بشكل واسع لتقييد الحريات. 

وفي هذا السياق أوصت مؤسسة الحق ضمن ورقة موقف صدرت عنها بشأن قرار بقانون الجرائم الإلكترونية وحجب مواقع إلكترونية، في 23 أكتوبر 2019، بحذف المادة (45) من القرار بقانون وذلك لأن هذا النص الواسع، من شأنه أن يُدخِل عشرات "المصطلحات الفضفاضة" الواردة في التشريعات الفلسطينية وبخاصة القوانين العقابية إلى قرار بقانون الجرائم الإلكترونية؛ من قبيل ذلك مثلاً الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي والخارجي الواردة في قانون العقوبات لعام 1960 النافذ، ومن بينها أيضاً الجرائم التي تنال من "هيبة الدولة" والجرائم التي تهدف إلى "إضعاف الشعور القومي" والجرائم التي "توهن نفسية الأمة"، وغيرها من عشرات المصطلحات الفضفاضة التي تنتهك المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمعايير الدولية ذات الصلة، بشأن الحق في حرية الرأي والإعلام والحقوق الرقمية، الأمر الذي يتطلب حذف النص.

حجبُ المواقع الإلكترونية يجب أن يكون بناءً على جريمة واضحة غيرَ قابلة للتأويل 

من جهته يُشير الباحث القانوني في الهيئة المستقلة لحقوق الانسان، عمار جاموس، إلى ضرورة أن يكون التجريم واضحاً تماماً وألّا يتركَ مجالاً للشك والتفسير من قبل المحاكم والأجهزة الأمنية، بما لا يتعارض مع القانون الأساسي الفلسطيني وتعديلاته سارية المفعول للعام 2003. 

وبشأن حجب المواقع الإلكترونية، يقول جاموس إن حجب المواقع الإلكترونية يجب أن يكون بناءً على جريمة واضحة، لا أن يكون الحجب على أساس المُحتوى الذي يخالف الاتجاه العام  للسُلطة أو أن يكون محتوى ناقداً للسُلطة، وأن يُسمح للمعنيين تقديمُ الدفاع، على عكس المعمول به وفقاً لمواد القرار بقانون بشأن الجرائم الإلكترونية، لافتاً إلى حجب مواقع الجزيرة الإخبارية مطلع العام الجاري 2025. 

وفي حينه أصدرت محكمة صلح رام الله، في الخامس من شباط 2025، قراراً بحجب عدد من المواقع الإلكترونية التابعة لشبكة الجزيرة الإعلامية لمدة أربعة أشهر، بناءً على طلب تقدم به النائب العام الفلسطيني أكرم الخطيب. 

وبحسب تفاصيل القرار، فإن القرار شمل مواقع "الجزيرة نت"، و"الجزيرة مباشر"، و"الجزيرة 360"، و"AJ+"، وذلك استناداً إلى المادة رقم 39 من قانون الجرائم الإلكترونية رقم 10 لسنة 2018، التي تتيح حجب المواقع التي يُعتقد أنها "تهدّد" الأمن القومي أو النظام العام، وبحسب نص القرار، أشار النائب العام إلى أن المواقع المذكورة نشرت مواد وأفلاماً "تهدد الأمن القومي لدولة فلسطين"، و"تحرّض على ارتكاب الجرائم"، ما دفع الجهات المختصة إلى طلب حجبها.

القانون بصيغته الحالية ينتهك الحق بالخصوصية للمُعتقلين والمُعتقلات، ويسمح لأجهزة الأمن بالنفاذ إلى أجهزتهم الإلكترونية 

ويُضاف إلى هذا كله، أن القرار بقانون رقم 10 لسنة 2018 بشأن الجرائم الإلكترونية، ينتهك الحق بالخصوصية للمُعتقلين والمُعتقلات، ويسمح لأجهزة الأمن بالنفاذ إلى أجهزتهم الإلكترونية بأمر من النيابة العامة، وليس بقرار قضائي، بما يُخالف أحكام القانون الأساسي الفلسطيني الذي يكفل الحق بالخصوصية، ولا يُجيز النفاذ إلى الأجهزة الإلكترونية (الموبايلات والأجهزة اللوحية والحواسيب وغيرها)، أو مراقبة المُكالمات إلّا بإذن من القاضي، وبناءً على جريمة واضحة تم ارتكابُها. 

في ظل غياب قانون الحق بالحصول على المعلومات .. يزداد المشهدُ تشابكاً

ويزداد المشهدُ تشابكاً في ظل غياب قانون الحق بالحصول على المعلومات، ويعتبر مدخلاً أساسياً للتعبير عن الرأي ولنقد السياسات العامة، وتُعتبر بدورها ممراً رئيسياً للتنمية والاستقرار المُجتمعي، وفقاً للأدبيات المُرتبطة بحريات الرأي والتعبير والعمل الصحفي،  يقول جاموس. 

ويؤكد جاموس أن حجبَ المعلومات عن الجمهور بشكل عام، وعن العاملين في المجال الصحفي والإعلامي بشكل خاص، يضرُ بالعمل الصحفي وحرية الرأي والتعبير، ويقوض الفوائد التي يوفرها العمل الصحفي، بخلق حالة دائمة من النقاش المُجتمعي بشأن القضايا العامة التي تمس حياة المواطنين بشكل مُباشر، لما فيه مصلحة المُجتمع. 

وفي حالة غياب "طويل الأمد" لقانون الحق بالحصول على المعلومات كما في الحالة الفلسطينية، أو في حالة وجود قانون بالحق بالحصول على المعلومات كما في بلدان أخرى، فإن للصحفيين الحق بالاستناد إلى المصادر التي يرونها مُناسبة، ولكن في الحالة الأولى يضطر الصحفيون للاعتماد على مصادر بديلة، قد تكون غير موثوقة، وبالتالي فإنهم سيكونون عُرضة للاعتقال والمُلاحقة، وبذا فإن انتظاراً طويلاً لإقرار قانون الحق بالحصول على المعلومات، لم يُسفر إلّا عن قيود إضافية على العمل الصحفي والإعلامي في فلسطين، وفقاً للباحث القانوني في الهيئة مُستقلة لحقوق الانسان عمار جاموس. 

"قانون الحق بالحصول على المعلومات".. عدم وجود قانون خيرٌ من وجود قانون سيء

ومن جهته يؤكد المستشار القانوني لنقابة الصحفيين الفلسطينيين علاء فريحات، أن وجود قانون يضمن الحق في الحصول على المعلومات أحد أهم أسس الحكم الرشيد والصالح، ويُطالب بإنشاء جهة مستقلة مالياً لتنفيذ القانون يشرف عليها القضاء، وأن يتم العمل لتحديد مواد القانون، على أن يتم اشراك المؤسسات ذات المصلحة في القراءة الأخيرة. 

ويلفت فريحات إلى أن القانون حال إقراره كما المطلوب ووفقاً للأسس السليمة، سيساهم بضمان حرية الرأي والتعبير، وسيرتقي بواقع الحريات العامة في فلسطين. 

وهُنا تبرز إشكالية إقرار قانون بصيغةٍ سيئة ومُقيدة تم استبدالها عن الصيغة التي تم التوافق عليها، وحول ذلك يقول جاموس: "عدم وجود قانون خيرٌ من وجود قانون سيء". 

ويؤثر القرار بقانون رقم (10) لسنة 2018 بشأن الجرائم الإلكترونية بشكل سلبي على حرية التعبير في ظل غياب قانون الحق بالحصول على المعلومات، حيث تُشكل النصوص الفضفاضة فيه تهديداً لحق المواطنين في حرية الرأي والإعلام، بينما تسمح بتطبيق الرقابة الذاتية على وسائل الإعلام والأفراد خوفاً من الاعتقال والمُلاحقة، ما يعرّض الحقوق الأساسية للخطر ويفسح المجال لانتهاكات واسعة. 

ما المطلوب لضمان عدم استخدام القرار بقانون بشأن الجرائم الإلكتورنية استخداماً سياسياً؟ 

وبدوره يرى ائتلاف "أمان" أن القرار بقانون بشأن الجرائم الإلكترونية وجرائم الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات يثير القلق، ويؤثر على بيئة الحريات العامة في فلسطين، ويرى أن بعض النصوص تمس الحق الدستوري المنصوص عليه في القانون الأساسي. 

المستشار القانوني لإئتلاف "أمان" بلال البرغوثي يقول إن ائتلاف "أمان" رصد توسيع صلاحية الأجهزة الأمنية كافة لتولي إنشاء وإدارة وحدة جرائم إلكترونية ولم يحصر ذلك في مأمورية الضبط القضائي، ويُضيف: "أصلُ الأمر أن يكون تشكيل هذه الوحدة محصوراً في جهاز الشرطة"، وهو الأمر الذي يوسع صلاحيات الأجهزة الأمنية كافة في التنفيذ والإجراء، ويُضَيقُ على حريات التعبير والفضاء المدني. 

ويُشدد على ضرورة إجراء تعديلات ضمن الآتية: 

أولاً: وضع ضوابط واضحة للتجريم، بما يضمن عدم استخدام القانون لتكميم الأفواه. 

ثانياً: معالجة مسألة التشدد في العقوبات، بحيث يتم صياغة عقوبات باتجاه الغرامات المالية، وليس باتجاه العقوبات الحارمة من الحرية، ويتعامل القرار بقانون بشأن الجرائم الإلكترونية مع الجرائم الإلكترونية كجنايات، ويُعاقب عليها بالحبس من 3 – 15 عاماً.

ثالثاً: تحديدُ الجهات، بما يضمن عدم إعطاء الأجهزة الأمنية كافة صلاحيات المُلاحقة والاعتقال وحجب المواقع، دون ضوابط رقابية وقضائية دقيقة، لضمان عدم استخدام القانون استخداماً سياسياً. 

وأخيراً، فإن استمرار عدم التعامل بجدية مع مطالب المؤسسات الحقوقية ومؤسسات المُجتمع المدني بإجراء تعديلات على القرار بقانون بشأن الجرائم الإلكترونية، واستمرار تجاهل المطالبات بإقرار قانون الحق بالحصول على المعلومات، والمُستمرة منذ نحو 18 عاماً، سيُبقي عديد الأسر الفلسطينية في انتظار انقضاء فترات الغياب التعسفية، والأهم أنه سيفت من عضد مُجتمع بأكمله يواجه مُخططات إسرائيلية لاقتلاعه وتصفية قضيته ووجوده، ومن باب أولى أن يكون مجتمعاً واثقاً لا أن يكون مُجتمعاً مهزوزاً ومنزوع الثقة.