قرار الكنيست بضمّ الضفة الغربية يدقّ جدران الخطر

2025-10-22 / 17:41

القرار ليس نتاج اليمين الإسرائيلي فقط، بل شاركت فيه غالبية الأحزاب الصهيونية، سواء عبر التصويت أو التغيب المتعمّد لضمان الأغلبية، مما يؤكد أن مشروع الضمّ أصبح سياسة دولة عامة وليست مجرد خطوة حزبية.
Post image

بقلم : فادي البرغوثي 

لم يكن قرار الكنيست "الإسرائيلي" بالقراءة التمهيدية لضمّ الضفة الغربية وفرض السيادة "الإسرائيلية" عليها مجرّد خطوة تشريعية عابرة، بل إعلانًا رسميًا عن مرحلة استعمارية جديدة في التاريخ الفلسطيني، تُعيد إلى الأذهان بدايات المشروع الصهيوني الذي مهّد للنّكبة الأولى عام 1948. هذا القرار لا يُكرّس الاحتلال فحسب، بل يُحوّله إلى نظام ضمّ قانوني دائم، ينسف ما تبقى من أوهام “حلّ الدولتين”، ويحوّل الوجود الفلسطيني في الضفة إلى حالةٍ مؤقتة تنتظر الإزاحة.

فالنكبة، كما يعرفها الوعي الفلسطيني، لم تبدأ عام 1948 بل قبل ذلك بثلاثة عقود، منذ أن دخل البريطانيون إلى فلسطين عام 1917 حاملين وعد بلفور في يد، والمشروع الصهيوني في اليد الأخرى. في تلك السنوات، تمّ تفريغ العشرات من القرى الفلسطينية عبر شراء الأراضي المزوّر أو التهديد العسكري أو طرد السكان بالقوة، فيما كانت سلطات الانتداب تهيّئ البنية القانونية والسياسية لتأسيس “وطن قومي لليهود”.

واليوم، ما يجري في الضفة الغربية ليس سوى تكرار لتلك المقدمات، سواء بطرق الاستعمار التقليدية  مثل السلاح، او  بالقانون والاقتصاد والجغرافيا. فعمليات الجيش الإسرائيلي في جنين وطولكرم ونابلس والأغوار تعد حلقة من  حلقات تصب في مشروع أوسع هدفه إنهاك المجتمع الفلسطيني وشلّ قدرته على الصمود في الأرض.

قرار الكنيست الأخير جاء ليُضفي شرعية “قانونية” على هذا المسار، ويكشف بوضوح أن الاحتلال لم يعد يخشى من إعلان نواياه، بل يمضي نحو ضمٍّ معلنٍ  يهدف إلى تحويل الضفة إلى مجال سيادي إسرائيلي، يضمّ المستوطنات والقرى والمدن الفلسطينية ضمن “جزر سكانية” بلا سيادة ولا اتصال جغرافي.

إنها سياسة الخنق البطيء:

اقتصاديًا عبر مصادرة الأراضي ومنع الوصول إليها بذريعة “الأمن”.

جغرافيًا عبر الجدران والحواجز التي تُقطّع أوصال الضفة.

ديموغرافيًا عبر الاستيطان الذي لم يعد فعلًا عسكريًا طارئًا، بل منظومة استثمارية وقانونية كاملة.

ولمن يظن أن هذا المسار جديدا   فليقرأ كتاب “مكان تحت الشمس” لبنيامين نتنياهو، الذي يُفصح فيه صراحة عن العقيدة التي تحكم السياسة الإسرائيلية: فمكان الفلسطينيين في الأردن، لا في الضفة الغربية. ويرى أن الضفة، بموقعها الجبلي المطلّ على الساحل، تمثل خطرًا استراتيجيًا دائمًا على"إسرائيل"، لذا يجب إخضاعها أو تفريغها. هذه الرؤية لم تبقَ في نطاق اليمين، بل تبنّتها معظم التيارات الصهيونية، بما فيها المعارضة التي في كل مرة تصوت لصالح القرار.

هكذا، تتلاقى السياسة والتشريع والعقيدة في مسار واحد وهو  القضاء على فكرة الدولة الفلسطينية من جذورها. ومع كل خطوة يقطعها الكنيست نحو “الضمّ القانوني”، يتراجع الأمل في إقامة كيان وطني فلسطيني مستقل، ويُفتح الباب أمام نكبة جديدة تقوم بتفكيك  ممنهج للوجود الفلسطيني .

إن هذا القرار ليس شأنًا إسرائيليًا داخليًا، بل إعلان حرب على القانون الدولي وعلى الشعب الفلسطيني. ومع ذلك، فإن الردّ الفلسطيني ما يزال منقسمًا ومحدودًا، وكأن الخطر لم يُدرك بعد أبعاده. الانقسام السياسي الداخلي الذي بات يُقدّم خدمة مجانية للمشروع الصهيوني، في وقتٍ تُقوم  "إسرائيل " بضم الضفة  دون مقاومة سياسية موحدة.